ابن حزم

937

الاحكام

ذلك ، فقد تركوا القياس الذي يقرون أنه حق ، فظهر تناقضهم والحمد لله رب العالمين . وحتى لو لم يرد نص جلي في تحريم الأموال جملة ، لكان الاجماع على تحريمها كافيا ، ولعلمنا حينئذ أن اسم الاكل موضوع على أخذ منقول عن موضوعه المختص له في اللغة كما تقول العرب ، أكلتنا السنة أي أفنت أموالنا ، وكما قال الشاعر : فإن قومي لم تأكلهم الضبع يريد لم تفنهم . وأما قوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) * فإنما حرم قتلهم جملة لغير الاملاق من آيات أخر ، وهي قول الله تعالى : * ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ) * وبقوله تعالى : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * وبقوله تعالى : * ( وإذا الموؤودة سئلت ، بأي ذنب قتلت ) * وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام . وأما قوله تعالى : * ( ما يملكون من قطمير ) * فإنما أخبر عز وجل في موضع آخر على أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، وما كان هذا فبالضرورة نعلم أنها لا تملك شيئا . وهكذا الحكم في كل ما موهوا به ، فإن الله تعالى قد بين لنا مراده ، ولو لم يرد غير النصوص التي ذكرنا لوجب ألا نتعدى البتة إلى ما لم يذكر بها وللزم أن لا نحكم بها أصلا إلا فيما وردت فيه ، ومن تعدى هذا فإنه متعد لحدود الله تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * نعوذ بالله من ذلك . وأما قول الناس : لا تعط فلانا حبة ، فإنما يعلم مراد القائل في ذلك ، أمجدا قال ذلك أم هازلا أم مقتصرا على الحبة أم لأكثر منها ، بما يشهده من حال الامر في امتناعه وتسهله ، وأكثر ذلك فهذا القول من قائله لا يتأتى مجردا البتة . ولا بد ضرورة من أن يقول : لا تعطه البتة شيئا ولا حبة ، وربما زاد لا قليلا ولا كثيرا ، فهذا هو المعهود من تخاطب الناس فيما بينهم ، ومن ادعى غير هذا فهو مجاهر مدع على العقل ما ليس فيه ، بل هو مخالف لموجب العقل ولمقتضى اللغة على الحقيقة ، وبالله تعالى نعتصم . فإن ذكروا قول الله تعالى : * ( فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) * فقد قال تعالى في آية أخرى * ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الانفاق ) * فنص